عدن التي تنتمي إلينا

في رواية علي المقري “بخور عدني“؛ تبدو عدن كأمٍ ضامرةٍ خجولة فاتحةً ذراعيها بلا تردد، مانحة حضنها لمئات العابرين دون غاية، حتى أن فرنسيًا تائهًا وجدَ فيها وطنًا وملاذًا.

وفي خضمّ التفاصيل والأحداث يعرض “المقري” كيف تعايش أصناف الناس في عدن على اختلاف دياناتهم، من مسلمين ويهود ومسيحيين وهندوسيين وزرادتشيين وغيرهم من أتباع الديانات والمذاهب ومن لا دين لهم أو عقيدة، واختلاف ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم؛ قادمين من كل المحافظات، ومن الهند وباكستان والصومال، وحتى من قلب أوروبا!

فتحت مدينة عدن أبوابها للجميع؛ ومنحتهم الهوية والوطن الذي يبحثون عنه، أو يحتاجونه. وبالرغم من السلام الظاهري في تلك الحقبة؛ ففي نهاية رواية “المقري”، تتلبك عدن، ويرفض سكانها بعضهم بعضًا مثل عملية زراعة عضو فاشلة. *1صورة الغلاف Photo by Wojciech Portnicki on Unsplash

عدن ؛ تمنح الهويّة للعابرين،

وترحل معهم قطعةً من قلوبهم.

وفي رواية “نور زين” للكاتبة منال الشريفي؛ تظهر عدن في زمنٍ مختلف عن رواية “المقري”، لكنها ظاهريًا، هادئة ومسالمة أيضًا، وتحت المياه الراكدة تتكشف مع الوقت وحوش وزوابع وأعاصير، ما تلبث أن تصعد للسطح. 

ويبدو أن الهدوء والتسالم والتعايش -أي الصفات التي تغلب على سكان المدينة- لا تترك بسلام، ويأتي دائمًا من يوتر الأمور ويحرك الأطماع.

وعلى عكس “المقري”، فإن في رواية “نور وزين“؛ ترتبط عدن بالغربة ارتباطًا وثيقًا. مابين غربةٍ بعيدة؛ يترك فيها سكان عدن عَدَنهم، ويرحلون إلى بلادٍ جديدة بحثًا عن حياة أفضل لم تعد موجودة فيها، أو حتى في الغربة التي اصطنعها الناس لبعضهم، بالرفض، واختلاق المشكلات. وأخيرًا تضاف لكل هذا الغربة الروحية التي عانت منها بطلة الرواية نور ووالدها زين.

“كلّ الذين يعيشون في عدن ليسوا منها”؛ قالت لي جدتي قبل زمنٍ طويل! وأصرت على صحة ما تقوله، وقامت تعدد لي أصول كل الذين نعرفهم، وأصبح الأمر بالنسبة لي مبعث تساؤلٍ لم يتوقف. لم أمنع نفسي من سؤال أصدقائي من عدن عن أصولهم، وأنا التي لا تهتم بأصل وفصل أحد. وبدا الأمر مريبًا للغاية، فلا أعرف أحدًا من عدن – هو منها بالأصل، وجميعنا أتى من كل مكان.

قبل ذلك بكثير، حين كنت في الثانية، كنا قد انتقلنا وعائلتي من عدن إلى صنعاء -حيث ازدهرت فرص الحياة.

 عشت في صنعاء كلّ سنواتي اللاحقة قبل مغادرة اليمن. ولطالما عانيت بشدة من شعوري بالغربة، بدايةً من طريقة الكلام، ففي بيتنا تمتزج الثقافة العدنية والتعزية والرداعية والسودانية والنيجيرية على حدِّ سواء، نسمي الأشياء بلهجات مختلفة، لم أسمع أيًا منها في صنعاء لوقتٍ طويل.

كانت عدن غريبة عن صنعاء، حتى حين قامت الوحدة اليمنية، كنا في الصفّ الأول نحاول إفهام بعضنا ما نقوله، وبالتأكيد مررت بالكثير من السخرية والتحديق.

إعلان

لم أزر عدن إلا لاحقًا؛ حين أصبحت في العشرينيات، وفي الحقيقة لم أعرف الكثير عنها إلا حين كبرت، كنت قد تكيفت مع بيئتي وصرت أتكلم خارج البيت مثل البقية. لكنك حين تعرف عدن، لا تستطيع إلا أن تشعر كأنك عثرت على قطعة اللغز المفقودة فيك، وتعيدها إلى مكانها، لتتعرف على نفسك من جديد.

بدا أن للبخور والفل والكادي روائحًا أعبق، وبدا شاي الحليب الذي لا نشرب في بيتنا غيره، مشروبًا مقدسًا، وصار للحلويات الآتية من عدن طقوس خاصة. وصارت أصوات العجائز القادمات من عدن موسيقى مغمورة بالحنين. وحين تمنحك الصدفة صديقًا أو لقاءً مع شخصٍ قادمٍ من عدن، تجرفك مشاعر غريبة ودافئة.

وحين تسافر وتستكشف العالم، وتلتقي أناسًا مختلفين، تراقب أصدقاءك الصومال والباكستانيين وغيرهم، لتدرك كم هي الأشياء المشتركة بينكم كثيرة! لعدن نكهات عديدة ممتزجة لا يشبهها شيء، وتشبه كل شيء. ستجد منها قطعًا حول العالم، وستجد فيها قطعًا من العالم.*2صورة الفتاة Photo by Hassan Wasim on Unsplash *3 صورة الشاي حليب Photo by Gábor Szűts on Unsplash

إن الإنتماء لعدن أمرٌ لا يمكن البتُّ فيه مطلقًا، وسيظل مبهمًا، لا علاقة له بالجغرافيا ولا الديموغرافيا، لكنك حالما تشعر أنك “عدني” ومرتبط بها؛ تنتمي عدن إليك، وترسم نفسها على خارطة صدرك، ولا ترحل أبدًا.

لكنك حين تعرف عدن، لا تستطيع إلا أن تشعر كأنك عثرت على قطعة اللغز المفقودة فيك، وتعيدها إلى مكانها، لتتعرف على نفسك من جديد.

إن الإنتماء لعدن أمرٌ لا يمكن البتُّ فيه مطلقًا، وسيظل مبهمًا، لا علاقة له بالجغرافيا ولا الديموغرافيا، لكنك حالما تشعر أنك “عدني” ومرتبط بها؛ تنتمي عدن إليك، وترسم نفسها على خارطة صدرك، ولا ترحل أبدًا.

قصيدة لمحمود درويش عن عدن؛

ذَهَبْنَا إلَى عَدَنٍ قَبْلَ أَحْلاَمِنَا، فَوَجَدْنَا القَمَرْ

يُضِيءُ جَنَاحَ الغُرابِ. التَفَتْنَا إِلَى البَحْرِ،قُلْنَا: لِمَنْ

لِمَنْ يَرْفَعُ البَحْرُ أَجْرَاسَهُ، أَلِنَسْمَعَ إِيقَاعَنا المُنْتَظَرْ؟

 

ذَهَبْنَا إِلَى عَدَنٍ قَبْلَ تَارِيخنَا، فَوَجَدْنَا اليَمَنْ

حَزِيناً عَلَى امْرئِ القَيْسِ، يَمْضَغُ قاتاً, وَيَمْحُو الصُّوَرْ.

أَمَا كُنْتَ تُدْرِكُ، يَا صَاحِبِي، أَنَّنَا لاَحِقَانِ بِقَيْصَرِ هَذَا الزَّمَنْ؟

ذَهَبْنَا إِلَى الفُقَراءِ الفَقِيرَةِ، نَفْتَحُ نَافِذَةً فِي الحَجَرْ

لَقَدْ حَاصَرَتْنَا القَبَائِلُ، يَا صَاحِبِي، وَرَمَتْنَا المِحَنْ،

وَلَكِنَّنَا لَمْ نُقَايِضْ رَغِيفَ العَدُوِّ بِخُبزِ الشَّجَرْ

 

أَمَا زَالَ مِنْ حَقِّنَا أَنْ نُصَدِّقَ أَحْلاَمَنَا, وَنُكَذِّبَ هَذَا الوَطَنْ؟

المشاركة تعني شكرًا بلغة الإنترنت 🙂

شاركنا رأيك

سمية طه

كاتبة، أو هذا ما أحاول أن أكونه.

اشترك في نشرة تدويني

مقالاتنا تأتي إليك أولًا بأول

إعلان

إحصائيات المدونة

  • 23٬796 زائر وزائرة

تصنيفات المقالات

الكاتب على تويتر